الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

306

مختصر الامثل

اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ » . فكل هذه الآيات تحذيرات عن تلك العواقب السيئة التي تترتب على أفعال الناس أنفسهم « وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ » وإنّما هي آثار سيئة يجنيها الناس بأيديهم . ويدلّ على ذلك أنّ اللَّه لا يحتاج إلى ظلم أحد ، كيف وهو القوي المالك لكل شيء وإنّما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه : « وَلِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » . فالآية تشتمل على دليلين على عدم صدور الظلم منه سبحانه : الأوّل : إنّ اللَّه مالك الوجود كله فله ما في السماوات وما في الأرض ، فلا معنى للظلم ولا موجب له عنده ، وإنّما يظلم الآخرين ويعتدي عليهم من يفقد شيئاً ، وإلى هذا يشير المقطع الأوّل من الآية وهو قوله تعالى : « وَلِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ » . الثاني : إنّ الظلم يمكن صدوره ممن تقع الأمور دون إرادته ورضاه ، أمّا من ترجع إليه الأمور جميعاً ، وليس لأحد أن يعمل شيئاً بدون إذنه فلا يمكن صدور الظلم منه ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه : « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » . كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ( 110 ) مكافحة الفساد والدعوة إلى الحق أيضاً : في هذه الآية تطرح مرّة أخرى مسألة « الأمر بالمعروف » و « النهي عن المنكر » . فالآية السابقة تشير إلى القسم الخاصّ ، وهذه الآية تشير إلى القسم العام من هاتين الفريضتين . « كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » . والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم يصف المسلمين - في هذه الآية - بأنّهم خير أمة هُيئت وعُبئت لخدمة المجتمع الإنساني ، والدليل على أنّ هذه الأمة خير أمة رشحت لهذه المهمة الكبرى هو « قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيمانها باللَّه » وهذا يفيد أنّ إصلاح المجتمع البشري لا يمكن بدون الإيمان باللَّه والدعوة إلى الحق ، ومكافحة الفساد . أمّا هذه الأمة خير الأمم ، لأنّها تختص بآخر الأديان الإلهية والشرائع السماوية ، ولا